في عالم من الحيرة

هو البيت الوحيد الذي لمحته أثناء سيري لهذه المسافة الطويلة، اتجهته إليه أملا أن أجد إجابة تسكت حيرتي، في الطريق إليه انتبهت إلى أثار أقدام فأحسست بالطمأنينة قليلا لأنه لم أرى أثار قدم منذ سنين طويلة. وأكملت المسير .. وكلّي أمل أن تكون هذه المسيرة هي مفتاح فهمي لما يحدث. الطريق إليه مليء بالحشائش والعشب الأخضر المائل إلى الاصفرار، كنت احاول مجتهداً ألا  أدوسه مؤمناً أنه ليس من حقي أن أعطل مسار حياته، ولأنه لم يتوقع أبداً أن آتي وأدوسه متجاهلاً وجوده في هذا العالم الغريب، أنظر إليه باستمرار آملا أن تحدث معجزة، وينطق محدثاً إياي بحكايته لأقعد مستأنساً بوجوده حولي فأختصر طريقي إلى هدفي .. فقدت أملي في هذا العشب، وقلت له بكل صدق “لا ألومك”، فأنت لما خُلقت له، أكمل المسير مستنسياً قصة العشب البائس. وصلت إلى البيت الخشبي القديم لونه يكاد يصبح مزيجاً من الألوان التي تبعث الانسان في الذكريات المريرة، مرّ عليه دهر طويل لم يجدد.. تقدمت إلى الباب .. فجأة وجدتني أطرق الباب منذ ساعة ولا ساكن يتغير في هذا المشهد الهادئ، حتى أصبحت أسمع صدى طرقي للباب يرده الجبل البعيد الذي اعتاد أن يحجب الشمس قبل موعد غروبها، توقفت عن الطرق، تنهدت وأمسكت قفل الباب .. الباب مفتوح، دفعته، فأصدر أزيزاً وكأنه يستيقظ بعد نوم طويل، ويدخل الضوء من الباب، مائدة أكل في بهو هذا المنزل القديم وكأنها جزء منه، دخلت بهدوء.. أضع الخطوات بكل حذر، حتى أصبحت بقرب تلك المائدة لأرى أن الغبار قد صبغها بلونه الشاحب.. على طرفها صحن أكل، شيء ما به.. اقتربت لأرى، إذ هي وجبة لم تأكل بعد، لكن الزمن قد أكلها، فأصبحت جزءاً من القصة، أدركت حينها أن هذا البيت له مساره أيضاً، وله حكايته، ويجب عليّ أن لا أتدخل في قدره، وأتركه يكتب قصته بنفسه. خرجت من هذا البيت من دون أن أحصل على اجابة، وأكملت السير .

Advertisements

أين تجدني ..؟

الأرشيف